رؤية جديدة لتشغيل مطار في قطاع غزة  

يتساءل الكثيرون: لماذا لا يتم تكريس كافة الجهود لإعادة تشغيل مطار غزة الدولي الذي هو جزء من اتفاقية أوسلو وجزء من التفاهمات مع الجانب الإسرائيلي - والحاصل على اعتراف دولي من منظمات الطيران الدولية (إياتا وإيكاو) -بدلاً من الترويج للمبادرة المطروحة بخصوص إنشاء مطار مدار من قبل الأمم المتحدة في غزة؟ا

بدأ مشوار الدمار الشامل لمطار غزة الدولي في صباح جمعة يوم 11 يناير 2002 (بالرغم من توقف عمليات المطار في 2001 والدمار الجزئي الذي لحق برادار المراقبة الجوية وأجزاء من المدرج في نهاية ذلك العام). قامت عشر جرافات إسرائيلية بتدمير شبه كامل للمدرج بصورة تمنع أي طائرة من الهبوط في أو الإقلاع من المطار. تم تبرير ذلك من قبل الجانب الإسرائيلي بعدة أسباب أهمها:ا

ا1- اعتراض اسرائيل سفينة أسلحة في 3 يناير 2002 المعروفة باسم "كارين إيه" خلال عملية أطلق عليها اسم "سفينة نوح" في البحر الأحمر على بعد 500 كم من ميناء إيلات الإسرائيلي وتم الادعاء بأنها كانت متجهة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية.ا

 

ا2- هجوم مسلح نُسب إلى الذراع العسكري لحركة حماس على وحدة في الجيش الإسرائيلي في رفح يوم الأربعاء 9 يناير 2002 بالقرب من الشريط الحدودي الذي عُرف باسم "محور فيلادلفيا" أدى إلى مقتل 4 جنود إسرائيليين.ا

ا3- الكشف عن أنفاق تهريب في رفح على الحدود مع مصر بشكل عام وأخرى قريبة من منشأة المطار بشكل خاص شكلت هواجس أمنية لدى الجانب الإسرائيلي بأن المطار قد يستخدم في أعمال تهريب.ا

 بناء على الحوادث المذكورة، اعتبرت حكومة رئيس الوزراء السابق آرييل شارون بأن اتفاقية واي ريفر (وقعت عام 1998 وتضمنت بروتوكول تشغيل المطار) لم تُطبق بالصيغة المُتفق عليها. نصت الاتفاقية على وجوب منع السلطة الوطنية الفلسطينية من وجود أي تنظيمات مسلحة في قطاع غزة عبر تنسيق أمني مستمر مع الجانب الإسرائيل ومنع تهريب الأسلحة. عندما كبُر وجود الفصائل والعمل المسلح في القطاع، قررت إسرائيل تدمير المطار لأنه أنشئ على مبدأ (التنسيق ومنع التسلح) لم يتم تطبيقه على أرض الواقع وأيضاً كوسيلة ضغط على السلطة حتى تقوم بمنع نمو العمل المسلح ضد الجانب الإسرائيلي في غزة آنذاك ولأسباب سياسية أخرى.ا

 

لذلك، فإن أي محاولة لإعادة إحياء مطار غزة بناءً على بروتوكول التشغيل لعام 1998 (وبالمحصلة، تفاهمات أوسلو) محكوم عليها بالفشل بسبب الاختلاف الكلي لظروف قطاع غزة الآن عن التي كانت موجودة أثناء الاتفاق. حتى وإن عادت السلطة إلى غزة، التعهد بالقضاء على الفصائل المسلحة وتسليم أو تدمير السلاح الموجود في القطاع أمر مستحيل من الناحية العملية. من شأن هكذا محاولات أن تعمق الانقسام وقد تشعل اقتتالاً داخلياً ومن غير المتوقع أن تقوم السلطة بالقيام بذلك. ا

 في الوقت الحالي والمستقبل القريب، يصعب التصور بأن الجانب الإسرائيلي سيقبل بإنشاء مطار في غزة مدار فلسطينياً برغم استحقاقات أوسلو التي نصت على الحق باقتناء مطارات مدنية، خصوصاً في ظل تعثر عملية السلام الشامل وظروف الانقسام الداخلي الفلسطيني. بالإضافة إلى ذلك، المنظومة الأمنية في إسرائيل تخشى من امكانية تهريب أسلحة أو مقاتلين على متن أي طائرات متوجهة إلى أو مغادرة من القطاع وكذلك سيناريوهات الاختطاف أو سيطرة "عناصر متشددة أو متطرفة" على المطار أو أي من الطائرات.ا

 بالرغم من كفاءة طواقم مطار غزة الدولي المهنية والجهود الجبارة التي قامت سلطة الطيران المدني والخطوط الجوية ببذلها والأنظمة الإدارية المتينة التي تم إنشائها، كانت السيطرة الفلسطينية على مطار غزة الدولي خاضعة فعلياَ لإدارة إسرائيلية شبه مباشرة فيما يتعلق بالأمور الجوهرية التشغيلية. ذلك لأن كل التفاصيل الهندسية والفنية بخصوص موقع بناء المطار ومسار الطائرات وعمليات المُدرج وملفات كبيرة وصغيرة، كانت مرتبطة بشكل مباشر بقرار من سلطة الطيران الإسرائيلية والتي قام قِطاعُها الجنوبي بإدارة شؤون مطار غزة الدولي وخصوصاً المراقبة الجوية. صحيح أنه لم يكن هناك أي وجود إسرائيلي مباشر في المطار وكانت كل العمليات داخل المُنشأة مدارة من قبل أطقم فلسطينية، لكن البيئة العامة السياسية والفعلية في القطاع وخصوصاً في ظل وجود المستوطنات الإسرائيلية في تلك الفترة كانت تُظهر بلا شك السيطرة شبه الكاملة للجانب الإسرائيلي على قطاع غزة وأن السيادة الفلسطينية كانت في الحقيقة منقوصة من عدة جوانب استراتيجية وفنية وجغرافية.ا

 دراستنا التحليلية والبرغماتية، الطموحة والواقعية في نفس الوقت، فرضت علينا التفكير خارج الصندوق لخلق رؤية جديدة عملية لكيفية بناء وتشغيل مطار جديد في قطاع غزة. بدأنا بالتفكير بطريقة بديلة في عام 2010 عندما قابلنا موظف في طيران الأمم المتحدة عَمِل في باكستان والسودان وكانت هذه بداية معرفتنا بخدمات الطيران الأممية. وُضح لنا بأن الأمم المتحدة تُشَغل سرب كبيراَ من الطائرات حول العالم لنقل الركاب والحمولات يومياَ من وإلى مناطق الحروب والكوارث طبيعية والاضطرابات السياسية. لذلك، بُنيت رؤية مشروع المساعدة الموحدة على الرغبة في الاستفادة من وتطبيق نموذج مجرب ومثبتُ فاعليته في مناطق أسيوية وأفريقية مثل أفغانستان وباكستان وبنغلاديش وسريلانكا السودان وجمهورية الكنغو الديموقراطية ومالي وبورندي والصومال وأوغندا.ا

 أيضاً في عام 2011، قابلنا مهندس متخصص في تصميم المطارات وعبر معاينه دقيقه لخريطة قطاع غزة ونقاش مطول عن عوامل كثيرة، استنتج هذا المهندس أن اختيار مكان بديل لأي مطار جديد سيساعد في التغلب على تحديات هندسية واستراتيجية كانت تواجه مطار غزة الدولي السابق. أردنا تحديد موقع جديد سيسمح بالتحليق فوق مياه البحر المتوسط بحيث تتلافى الطائرات المجالات الجوية الإسرائيلية (والمصرية) وهذا من شئنه سحب عامل مهم من الرفض الإسرائيلي المحتمل بخصوص فكرة بناء المطار الجديد. اقترح المهندس بناء مطار على الساحل الجنوبي الغربي لغزة ما بين مدينتي خانيونس ورفح في منطقة "غوش قطيف" الاستيطانية السابقة بناء على مميزات عديدة أهمها.ا

 منذ ذلك الحين ونحن نبحث أفكاراً وخيارات عديدة بخصوص صيغة عملية لتشغيل مطار في غزة ستعود بالنفع على أهل غزة ولا تتطلب ثمناً سياسياً فلسطينياً وفي نفس الوقت، مقبولة إسرائيلياً ودولياً. الإدارة الأممية ستتعامل مع الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية (لمنع تهريب سلاح أو مقاتلين أو اختطاف طائرات) وفي نفس الوقت، ستشكل إطارا قانونيا دوليا لحماية المطار وضمان استمراريته.ا

 منذ ذلك الحين ونحن نبحث أفكاراً وخيارات عديدة بخصوص صيغة عملية لتشغيل مطار في غزة ستعود بالنفع على أهل غزة ولا تتطلب ثمناً سياسياً فلسطينياً وفي نفس الوقت، مقبولة إسرائيلياً ودولياً. الإدارة الأممية ستتعامل مع الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية (لمنع تهريب سلاح أو مقاتلين أو اختطاف طائرات) وفي نفس الوقت، ستشكل إطارا قانونيا دوليا لحماية المطار وضمان استمراريته.ا

 رؤيتنا الجديدة لكيفية إنشاء وتشغيل مطار في قطاع غزة مبنية على سبعة مبادئ استراتيجية، يجب على كل من يسعى لتطبيق فكرة المطار المقترح العمل بها وهي كالتالي:ا

ا1- التمسك بالفكرة الجديدة المتمثلة في الإدارة والطائرات الأممية. حيث أن لُب هذا المشروع هو الاستفادة من نموذج عمل طيران الأمم المتحدة حول العالم والعمل بمعايير وقوانين وأنظمة وبروتوكولات مطبقة وقابلة للتنفيذ في قطاع غزة. ولقد تم نشر العديد من الصور وتسجيلات الفيديو عن كيفية قيام الأمم المتحدة بتسيير رحلات نقل ركاب وحمولات في مناطق حروب وكوارث وكيف أنها تمتلك خبرة قوية في مجال الطيران يجب أن نستفيد منها. بالإضافة إلى ذلك، لدى الأمم المتحدة شبكة توزيعية ومؤسساتية ومهنية كبيرة في غزة (متمثلة في الأونروا) وسيكون من السهل شبك المطار الأممي بعمل الهيئة الحالي في القطاع. ستقوم وكالة الغوث الأممية بتوزيع أي مساعدات إنسانية على جهات وأفراد بحاجة لها بصورة إنسانية وغير سياسية.ا

ا2- الالتزام بالإطار الإنساني للمشروع بعيداً عن المناكفات السياسية والتركيز على حاجة سكان القطاع إلى وسيلة عملية وفعالة للسفر لمختلف أنحاء العالم بالإضافة إلى الحاجة لحمولات إنسانية نوعية سيتم نقلها عبر الطائرات لسد احتياجات القطاع الكثيرة في مجالات الصحة والتعليم والخدمات الإغاثية.ا

ا3- عدم ربط قضية المطار بأي ملف آخر بما فيها ملف المصالحة الداخلية الفلسطينية والمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي. سيساهم المطار المقترح في إنشاء بنية تحتية لغزة ستكون جزءً من مقدرات الدولة الفلسطينية المستقبلية، خصوصاً إذا تم تشغيل المطار بنجاح وانتقل بعد خمس أو عشر سنوات إلى إدارة فلسطينية قد تكون متمثلة بسلطة الطيران المدني.ا

ا4- قبول الأسباب الاستراتيجية والهندسية خلف دعوتنا لاختيار مكاناً جديداً للمطار المقترح بعيداً عن الحدود ونقاط التماس العسكرية (كما حال موقع المطار السابق في أقصى جنوب شرق رفح). المنطقة الوحيدة في غزة التي تتعامل مع هذه الأسباب وتلبي مختلف الاحتياجات لإنشاء مطار هي المنطقة الواقعة على الساحل الجنوبي للقطاع ما بين خانيونس ورفح المعروفة باسم المواصي.ا

ا5- التركيز على اختيار مسار الطائرات فوق البحر المتوسط بحيث لا يتطلب التعامل مع المجال الجوي الإسرائيلي والمصري. وهذا من شأنه ترسيخ استقلالية عمل المطار تحت مظلة دولية متمثلة في القوانين العالمية التي تنظم عمل الطيران فوق المياه الدولية.ا

ا6- الالتزام بمبدأ أن المطار هو حق ينطوي تحت الحق الإنساني العالمي للتنقل والسفر بحرية ولا يجب تقديم أو توقع ثمن سياسي مقابل إنشائه، خصوصاً إذا تم ذلك بطريقة لا تهدد الأمن الإسرائيلي ولا تناصر طرفاً سياسياً على حساب الآخر.ا

ا7- الوعي التام بأنه ليس من مصلحة الطرف الفلسطيني (سياسياً وإدارياً ومالياً) السعي لإدارة أي مطار في غزة في الوقت الحالي لأنه من شأن ذلك توليد انطباعاً زائفاً باستقلالية الفلسطينيين في غزة وحيث أنهم شعب تحت الاحتلال ولو بشكل غير مباشر. إن السيادة الحقيقية لا تُبرهن بإدارة مطار وانما باتفاق سياسي شامل حول اعتراف دولي بفلسطين وعاصمتها والسيطرة على المجالات البرية والبحرية والجوية والتعامل مع قضية المستوطنات واللاجئين والحصول على موارد وتدعيم الاكتفاء الذاتي .... إلخ. الإدارة الأممية ستضمن استمرارية عمل المطار وخدمة قطاع غزة وستشكل حصانة دولية له إلى حين التوصل لحل طويل الأمد لمختلف القضايا.ا
 

معبري كرم أبو سالم ورفح جنوب قطاع غزة بالقرب من موقع مطار غزة المدمر
موقع المطار المُدمر ما بين الحدود الإسرائيلية والمصرية جنوب شرق غزة